“زائر الفجر”.. البلد دي ريحتها فاحت!!

يحاول وكيل النيابة الشاب حسن الوكيل التحقيق في ملابسات قضية مقتل الصحفية نادية الشريف، والمعروفة باتجاهها اليساري المعادي النظام وماضيها السياسي الممتد منذ عام 1952 ويبدأ وكيل النيابة باستجواب المقربين منها، لتتسع منه خيوط القضية وتذهب الى ابعاد بعيدة، فيأتي تقرير الطب الشرعي ويطلب منه أحد رؤسائه حفظ القضية ليتحول غضبه الى حنق على كل شيء! تلك هي احداث فيلم “زائر الفجر” للمخرج الشاب الراحل ممدوح شكري. تحمست ماجدة الخطيب للقصة التي كتبها المؤلف والناقد رفيق الصبان، ولكن هل يكفي الحماس وحده لإنتاج فيلم متميز؟..

فيلم زائر الفجر

مخرج واعد.. ونجوم كبار

البطولة لشكري سرحان ويوسف شعبان وتحية كاريوكا وزيزي مصطفى واخرون، والاحداث بوليسية مشوقه، استخدم فيها المخرج الشاب لقطات من “الفلاش باك” متداخلة مع لقطات السرد الذي نجح ان يجذب المشاهد للمتابعة حتى النهاية، دون توقع للاحداث، ولا معرفة من الجاني. لأن النهاية بعيدة تماما عن توقعات أي شخص! بشكل متميز لم نعهده من مخرج شاب ينفذ ثاني أفلامه للسينما.

والفيلم، رغم الأحداث البوليسية الاجتماعية المشوقة، يندرج ضمن نوعية الأفلام التي نبشت في الأسباب الحقيقية وراء هزيمة 1967 مثل فيلم “المتمردون” للمخرج العظيم توفيق صالح، مع الفارق ان المتمردون كان واضحا صريحا في اسقاطاته، ولكن زائر الفجر قرر ان يعرض الأحداث كلها للمشاهد ثم يرميها له في وجهه كالقنبلة! وكان سباقا في ذلك قبل “الكرنك” و”احنا بتوع الأتوبيس” و”وراء الشمس” وكافة الأفلام التي نبشت في فساد عهد عبد الناصر. يقول رفيق الصبان ان أسباب النكسة لا تخرج عن نطاق الفساد المستشري آنذاك في الأجهزة الأمنية المصرية، يقابله فساد سياسي وقهر اجتماعي واقتصادي واعتقالات تعسفية طالت رموز المعارضة، وكانت تُنفّذ معظم هذه الاعتقالات قُبيْل الفجر كما قالت ماجدة الخطيب في حوار الفيلم، ولذلك اطلق عليهم اسم “زوار الفجر”، فيرد عليها عزت العلايلي بمرارة: “أنا عرفت دلوقتي بس.. ليه إحنا انهزمنا سنة 67”.

فيلم زائر الفجر

زائر الفجر ينضم لقائمة الممنوعين!

تم الانتهاء من تصوير الفيلم بنهاية عام 1972 لينزل به مخرجه ممدوح شكري للعرض التجاري في 22 يناير 1973 ويسبقه عرضا خاصا ضم عدد من النقاد وصناع الأفلام في نادي السينما بالقاهرة وأخر في جمعية الفيلم. ليتم رفع الفيلم من دور العرض بقرار سيادي وينضم الى قائمة الأفلام الممنوعة من العرض في مصر!!.. حاولت جهة الإنتاج انقاذ مايمكن إنقاذه بشتى الوسائل، وطلبوا مقابلة كل المسئولين عن ذلك لدرجة ان ماجدة الخطيب طلبت مقابلة الرئيس أنور السادات شخصيا، ولكن طلبها قوبل بالرفض، فلم يقابلها السادات من الأساس!.. نعم، كان الرفض كان هو العنوان الأبرز الذي خلّف ضجة كبرى في الوسط الفني المصري آنذاك، هذا الرفض أدى بمخرج الفيلم ممدوح شكري إلى الدخول في حالة اكتئاب حادّة ألزمته الفراش، وتطورت حالته إلى مرض غامض أنهى حياته في ديسمبر 1973 داخل مستشفى الحميات بالقاهرة. في حين تعرّض باقي صناعه أيضا لنوع من التحذير والتضييق من جانب الأجهزة الأمنية وعلى رأسهم منتجة الفيلم وبطلته ماجدة الخطيب حسب روايتها.

المسألة مسألة توقيت.. مش أكتر!

وبعد نصر أكتوبر عام 1973 والهدوء النسبي الذي شاع في البلاد بحلول أواسط عام 1974 أعاد الرقيب النظر في الفيلم الموقوف بناء على الطلبات العديدة المقدمة من صناعه، وبتحريك من الفنان والكاتب سعد وهبه لمنصبه الرفيع بوزارة الثقافة وقتها، ولكونه أيضا رئيس اتحاد الفنانين العرب، ليسمح بإعادة عرضه مرة أخرى ولكن بعد حذف عدد من المشاهد التي تضمنت جملا حوارية كان من رأي الرقيب انها توجه انتقادا لاذعا للسلطة والأجهزة الأمنية! ويأتي بعده فيلم “الكرنك” عام 1975 ليسير على نفس منواله ولكن بشكل أكثر جراءة، ومن بعده “وراء الشمس” عام 1978 بشكل أكثر جراءة، ومن بعده “احنا بتوع الأوتوبيس” عام 1979 ليتساءل المشاهد قبل صناع الفيلم، لماذا أوقفتم “زائر الفجر” حينئذٍ؟؟ وتأتي الإجابة للمتابع الجيد للخط الزمني للأحداث، فإن تلك الأفلام قد تدخل النظام فيها كثيرا عندما طلب بشكل غير مباشر من بعض صناع الأفلام انتقاد فترة عهد عبد الناصر، وإلحاق تهمة الهزيمة بهم دون التعرض لشخص عبد الناصر نفسه، وإعلان ان عهد الحرية قد جاء بالتحفظ على مراكز القوى في مايو 1971 كما قال فيلم الكرنك.
فيلم زائر الفجر

ولكن مافعله الفيلم هو أنه قال الحقيقة في غير وقتها، فوقت نزول الفيلم كانت الجبهة الداخلية مشتتة، والشارع مشحون الاحتقان ضد السلطة التي تعدهم بالحرب وتحرك القوات على الجبهة ولا تفعل شيئا، في هذه الأجواء يأتي فيلم ليقول ضمن احد مشاهدة ان “البلد دي ريحتها فاحت.. عفنت.. بقت عاملة زي صفيحة الزبالة.. لازم تتحرق”!.. و”انا عرفت ليه احنا اتهزمنا في 67″!.. فقبل ان يشعل الجبهة الداخلية فوق اشتعالها، فكان القرار بإيقاف عرض الفيلم كلياً، وعدم الالتفات لطلبات صناعه وتجاهلها الى أن حان الوقت، فعاد من جديد للسينمات.

هل كان تنبؤ بالمستقبل؟

ومن طرائف فيلم “زائر الفجر” انه توقع ببعض الاحداث السياسية قبل موعدها، بل وقدمها كما حدثت بشكل كبير، مثل حادث القبض على الفنانة ميمي شكيب مطلع عام 1974 بتهمة الدعارة ماعرف اعلاميا بقضية “الرقيق الأبيض“، وبعد فترة من التحقيقات تم الافراج عنها لعدم قانونية اجراءات الضبط والاحضار ولعدم وجود حالة التلبس!.. فالمتابع لأحداث الفيلم يرى شخصية تحية كاريوكا تجسد تلك القضية بشكل كبير، ولولا ان الفيلم صدر بداية عام 1973 اي قبل القبض على ميمي بعام كامل، لقلنا انه كان يقصدها بعينها!.. ولكن لعلها لم تكن بعيدة عن ذهن الكاتب وقت التأليف، خاصة ان اغلب ضيوفها في حفلاتها المستمرة وقتها كانت من العيار الثقيل. وقد فعل مثلها الكاتب وحيد حامد حين تنبأ بأحداث مابعد ثورة يناير 2011 في فيلمه “طيور الظلام” عام 1994.

ماجدة الخطيب
ماجدة الخطيب - فيلم زائر الفجر

وتوكد بعض التقارير ان الفيلم ظل في سينما ميامي وحدها بوسط القاهرة لمدة سبعة أسابيع متصلة، وبلغت ايراداته مايفوق 17 ألف جنيه وهو رقم ليس بقليل وقتها ولكن لم يعوض صناع الفيلم خسارتهم المعنوية وعلى رأسها وفاة مخرج الفيلم كمدا! وكان أصدقاء وزملاء ممدوح شكري بعد وفاته ودفنه في ملوي أقاموا جنازة رمزية له بالقاهرة، بالإضافة الى اسرة الفيلم هم من أصدروا بعدها عدد من الإلتماسات للمسئولين بعرض الفيلم ليكون أمانة للجماهير التي وهبها المخرج عمره الفني القصير.

وأخيرا..

يقول الكاتب والناقد سامي السلاموني في مقال نشره في مجلة الاذاعة والتليفزيون في ابريل 1975: 
“إن (زائر الفجر) يخاطب الناس فى عيونهم.. لا يخدعهم ولا يساومهم ولا يضحك عليهم بأغنية أو رقصة أو صدر امرأة .. انه على العكس يخاطبهم فى قسوة ليفتح عيونهمهم على واقعهم ويحدثهم عن الشر الذى يأكل حياتهم وحريتهم..”. 
الفيلم يعتبر من الأفلام الجميلة النادرة العرض والجديرة بالمشاهدة والتي يقضي معها المشاهد وقتا ممتعا.

أحدث أقدم