أشهر “ثلاثيات” عادل إمام في مشواره الفني الطويل

في نهاية السبعينات بدأ الزعيم عادل إمام أول ثلاثية شهيرة له (رجب – شعبان – رمضان)، “رجب فوق صفيح ساخن” كان اول فيلم في الثلاثية من انتاج 1978 وتأليف ماهر ابراهيم واخراج أحمد فؤاد، القصة مقتبسه بتصرف كبير من الفيلم الامريكي Midnight Cowboy للنجم داستن هوفمان، تقاسم البطولة فيه مع سعيد صالح وناهد شريف. والفيلم الثاني كان (شعبان تحت الصفر) 1980 من تأليف وانتاج سمير عبد العظيم، ومن اخراج بركات، واخيرا (رمضان فوق البركان) انتاج 1985 واخراج أحمد السبعاوي وايضا من تأليف وانتاج سمير عبد العظيم.



واقع الأمر أنه لم يكن هناك رابط قوي بين الثلاثية في القصة إلا في اسماء الشهور الهجرية المتتالية طبعا، ايضا كان يعتمد السيناريو فيها على شخصية القروي البسيط الذي يأتي إلى القاهرة أو يعيش في القاهرة منذ فترة، ويتعرض لمواقف من خلال بعض من يستغلوه، لطيبته وسذاجته، ولكنه في النهاية يفهم الدرس وينتقم منهم جميعا من خلال احداث ومواقف كوميدية مما تعودنا عليها في الكثير من أفلام الزعيم..

في التسعينات ايضا قدم عادل إمام ثلاثية أخرى شهيرة مع الكاتب وحيد حامد والمخرج شريف عرفه والتي تعتبر من أجمل أفلام الزعيم خلال تاريخه الفني الطويل والحافل، وهي “اللعب مع الكبار” 1991.. “الارهاب والكباب” 1992 – “المنسي” 1993 والتي قدمها الزعيم متواليه بنفس فريق العمل حتى الكومبارس مع اختلاف القصص.


في “اللعب مع الكبار” تعامل وحيد حامد مع السيناريو بمنتهى الرشاقة، عادل امام الذي يجيد لعب دور البطل الشعبي الذي يستخدم امكانياته البسيطة ويحارب الكبار، كأنه وجد ضالته في شخصية “حسن بهنسي بهلول” الفتى البسيط الذي يذهب لجهاز امني حساس ويسرب للضابط معلومات ارشدته ذات مرة الى منع حريق في مصنع قبل حدوثه، ومرة الى القبض على احد نواب البرلمان متلبسا بجلب مخدرات من الخارج، ومرة لأنقاذ احد اللاجئين السياسيين من الاغتيال، وعندما يسأله الضابط عن كيفية معرفته بذلك، يبلغه حسن بأنه شاهد الحادث في الحلم!.. لتبدأ علاقة من نوع خاص بين حسن والضابط معتصم الألفي.

في هذا الفيلم تخلى عادل امام عن أدواره الكوميدية المعهودة، وقدم واحدا من أجمل ادواره، بينما لجأ وحيد حامد للرمزية في عرض عديد من المشكلات الأمنية والسياسية من خلال احداث الفيلم. استخدم ايضا شريف عرفة اسلوب فنتازي في عرض الأحداث، فكان الفيلم كله سيمفونية رائعة كملتها موسيقى مودى الإمام، وان كان يعيب عليه استخدامه لبعض المشاهد الساخنة بشكل تجاري، ولكن هذا ما اعتدنا عليه من افلام عادل امام بشكل عام، ورغم هذا يحتل فيلم “اللعب مع الكبار 1991” المركز رقم 90 فى قائمة أفضل 100 فيلم فى ذاكرة السينما المصرية حسب إستفتاء النقاد عام 1996.


وفى “الإرهاب والكباب” 1992 قدم  الزعيم دور الموظف الغلبان المغلوب على أمره الذي دفعته الظروف لأن يواجه الحكومة بكل امكانياتها وجبروتها، فيجدها فرصة سانحة لأن يحارب فيها الروتين والفساد والقهر والظلم واستطاع من خلال مشاهد بسيطة، ناقش فيها وحيد حامد مشاكل الناس ويعرضها امام الحكومة ويطالب بحقوقهم في الغذاء والدواء.

في تلك الأفلام كان الرابط هو البطل الشعبي أو الإنسان العادى، الذي يفتقر لأى ملكات خاصة او امكانيات، والذي تدفعه الظروف لان يحارب الكبار من اجل الناس.. فمثلا في فيلم “المنسي” 1993 نرى شخصية “يوسف المنسي” موظف السكة الحديد، الذي رغم بساطته وفقره، فهو يتحكم في قطارات السكك الحديد التي تمر بجوار الكشك الخاص به، يحول كل منها حسب مساره، لو لم يكن موجودا ذلك الأنسان البسيط، لما وصل كل قطار بما يحمل الى وجهته، وهذا ما ركز عليه السيناريو من البداية.


إن يوسف المنسي ليس مجرد انسانا بسيط.. نكرة.. بل هو رغم بساطته شخص مهم في حياة كل مواطن!.. في “المنسي” لعب الزعيم شخصية البطل الذي قرر أن يحارب كل قوى المال الممتزج بالسلطة، وتصدى لهم وحده مستخدما الإمكانيات البسيطة المتاحه لدية (الكبسولات وجركن السولار) في مواجهة كل امكانياتهم ونفوذهم من أجل ان ينقذ البطلة التي هام بها حبا والتي كانت تحت تصرفهم، يفعلون بها مايشاءون!!..

وقد يجمع البعض ثلاثية عادل امام الأخيرة، مع فيلم “طيور الظلام” 1995 و “النوم في العسل” 1996 فيما يعرف بخماسية التسعينات، والتي يلتقي فيها عادل امام ووحيد حامد وشريف عرفه، ولكن واقع الأمر أن شخصية الزعيم في “طيور الظلام” هي شخصية محامي قرر أن يحجز لنفسه موضع قدم وسط الكبار، متخليا عن محله بين صفوف المواطنين، التي خرج منها في ثلاثيته السالفة، فهو بالفعل ينجح بالموالاة لأحد الوزراء لأن يكون من الكبار، لا لأن يحارب الكبار كما اعتدنا منه.


وفى “النوم فى العسل” كان عادل إمام هو رئيس مباحث العاصمة الذي رصد بالصدفة انتشار وباء غريب بين الناس، فكان هو اصلا واحد من الكبار ولكن من الذين يعملون لصالح المواطن. وفي ظل تجاهل الحكومة للامر لكي لا تضطر إلى مواجهته، فقرر هو أن يتصدى للمشكلة وحده، ويحارب الجهل والبدع والتجاهل الحكومى للمشكلة وللناس، ويقف ايضا في مواجهة سيطرة الحكومة على الإعلام وغسيل المخ الذي يطل علينا من خلال كافة الوسائل المسموعة والمرئية!.. ولذا فإن الخيط الموجود في الثلاثة افلام الأولى، غير متصل في الرابع والخامس، وهذا ما يجعلنا ننظر للأمر من زاويه اخرى، وثلاثية وليست خماسية.

ولنستعرض معا مشاهد النهاية من الأفلام الثلاثة بشكل سريع.. في “اللعب مع الكبار” يذهب حسن بهنسي الى السنترال ليحمي أخيه من الاغتيال، ولكنه لا يستطيع، فيقف ويصرخ امام طلقات النار العشوائية: “أنا هاحلم!.. أنا هاحلم!!”، يحميه الضابط معتصم، دليلا على وجوب تكاتف الأمن مع الشعب للقضاء على الفساد، بينما في “المنسي” ظهر الناس في الخلفية فكانوا حماية ليوسف المنسي من القتل متمثلا في الجملة الشهيرة لكرم مطاوع: “نزلوا المسدسات”!.. وفي “الإرهاب والكباب” نرى جموع المحتجزين او الرهائن بالمجمع الذين احتجزهم أحمد فتح الباب قرروا ان يخرجوه فى وسطهم من مسرح العمليات ليمر هو ومن معه أمام سمع وبصر قيادات الداخلية التي فهمت بعد ذلك كل شئ!.. و بعد استعراضنا لواحدة من أشهر ثلاثيات عادل إمام يبقي السؤال متي ينتصر الناس في معركتهم الكبري؟؟


بعد ذلك قدم الزعيم ثلاثية شهيرة من افلام “بخيت وعديلة” للمؤلف لينين الرملي والمخرج نادر جلال، قدم الفيلم الأول يحمل نفس الأسم عام 1995 ويحكي عن بخيت المواطن البسيط الذي يعيش مع والدته في حي شعبي، يلتقي بالمصادفة بعديلة التي تعمل معلمة في مدرسة بنات، وتقع في ايديهم حقيبة ممتلئة بالدولارات وكمية من المخدرات تبحث عنها عصابة تهريب كبيرة، ويتسببان في وقوع عديد من الاحداث الفنتازية الكوميدية.

الفيلم يحتوي على عديد من المشاهد التجارية التي جعلت منه واحد من أكبر افلام التسعينات نجاحا في شباك التذاكر عندما حقق ايرادات تخطت 14 مليون جنيه حسب صفحة الفيلم على ويكيبيديا، ولكن في الوقت نفسه جعلته هدفا سهلا لسهام النقد الذين كان جل اهتمامهم المشاهد العاطفية المبالغ فيها بين عادل امام وشيرين والتي كانت تؤدي تلك المشاهد لأول مرة على الشاشة!.. الفيلم يصنف كوميدي خفيف لا يحمل اي مضمون بين المشاهد، تم تصوير بعض المشاهد الخارجية مابين الاسكندرية والقاهرة طبقا للأحداث، وحتى انتقاداته السياسية لبعض الأمور كانت بسيطة، راحت في خضم الكوميديا والمشاهد العاطفية الساخنة.


وفي العام التالي قدم نفس فريق العمل جزءا اخر بعنوان الجردل والكنكة او “بخيت وعديلة 2” والذي تم تصويره بالكامل في شوارع مدينة الأسكندرية، ليصبح احد ابرز الأفلام الأفلام التي تم تصويرها بالكامل في الأسكندرية. وتحكي الأحداث من جديد عن بخيت وعديلة بعد ان عادا فقراء من جديد، يحاولا البحث عن ذاتهما بالترشح في انتخابات البرلمان ليحصلا على مميزات الاعضاء والحصانة. يجد بخيت دعما من اصدقائه العمال في مصنع الحديد والصلب، وتجد عديله دعما من نزيه ابن عمها وبعض المدرسات اصدقائها في سلك التربية والتعليم، ولكن في نفس الوقت يعانيان من منافسه مرشحين اقوياء على نفس الدائرة الانتخابية، قبل ان يجدا دعما قويا من بعض التجار اصحاب المصالح فتزداد الأحداث سخونة.

في هذا الجزء يختلف الأداء كثيرا، عكس الجزء الأول، إذ ينتقد الفيلم وبشدة العملية الأنتخابية في مصر، بدءا من الخطوات الأولى للترشح ومرورا بكيفية التحضير للحملات الانتخابة وتفاعل الناس من المواطنين البسطاء مع اولئك المرشحين، بل وتفكير المرشحين في الناس وكيف يحصلون على اصواتهم بكافة الطرق، وعدم اهتمامهم بمن ليس لهم اصوات!.. ولكن أغفل عن عمد مايحدث في عمليات الفرز بل على العكس أظهرها بشكل نزيه إلى حد بعيد عكس السائد وقتها، مما كان له دوره الكبير في نهاية احداث الفيلم.

ويعتبر نجاج الجزء الثاني اقل نجاحا من جزئه الأول، وأكثر استخداما للمشاهد الساخنة التي كانت سببا اساسيا في النجاح التجاري للجزء الأول في حين انها حملا ثقيلا على الجزء الثاني، شارك فيها عدد من نجوم الكوميديا الشباب بمساحة أكبر من الجزء الأول، بل وتم الاعتماد عليهما في صناعة كثير من الكوميديا في هذا الجزء، اضافة الى مشاركة النجم سعيد صالح في دور ثانوي مؤثر. الجردل والكنكة يؤكد القاعدة السينمائية المعروفة ان الأجزاء الأولى من اي سلسلة افلام تكون افضلها فنيا وتجاريا.


ومع دخول الألفية الجديدة قدم لنا نفس فريق العمل فيلم “هالو أمريكا” والذي يعد الجزء الثالث من سلسلة أفلام بخيت وعديلة لنفس المؤلف والمخرج، وفيه يتجاهل المؤلف ان بخيت وعديلة أصبحا نوابا في البرلمان، فاصطنع حادثا عرضيا ليعود بخيت مرة اخرى مواطنا فقيرا يصلح الأجهزة الكهربية في دكان والده، وعديلة معلمة بمدرسة البنات، حيث يتلقى بخيت دعوة من ابن عمه نوفل لزيارته في أمريكا، ويجدها بخيت فرصته ليسافر بصحبة عديلة من أجل البحث عن الثروة والحلم الأمريكي، وهناك يفاجأ بخيت بمجتمع مختلف عنه في كل شيء، ويفشل في كل محاولات التأقلم مع العادات المتحررة للشعب الأمريكي، فيلجأ الى الزواج صوريًا حتى ينال اﻹقامة، وكذلك الحصول على تعويض ضخم إثر اصابته في حادثة سيارة. وتتميز الأحداث، عكس الجزئين السابقين، بالرتابة والملل واصطناع المواقف الكوميدية بغرض تجاري، مما يجعل متابعة الأحداث للنهاية شيئا صعبا. اضافة الى انها قدمت صورة غير واقعية تماما عن حياة الناس في امريكا وعن عادات الشعب الأمريكي التي يعرفها الكثير ونراها في الأفلام والمسلسلات الأمريكية التي يتابعها عشاق هوليود، او التي يعرفها كثير من المهاجرين المصريين او العرب والذين شاهدوا الفيلم ومنحوه تقييما سلبيا، وهذا ما جعل هذا الفيلم هو الأقل نجاحا، ليس في افلام الثلاثية فحسب، ولكن ايضا في كل افلام التسعينات بوجه عام.


وبعد فيلم “هاللو أمريكا” توقفت ثلاثيات عادل إمام وبدأ الزعيم في مشاركة عدد من الشباب في الأفلام خلال فترة الألفينات، فقدم عديدا من الأعمال بالاشتراك معهم حتى توقف عن النشاط السينمائي بنهاية فيلم زهايمر عام 2010.
أحدث أقدم