القضية الفلسطينية في ذاكرة السينما المصرية

منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي، وعقب نكبة الجيوش العربية عام 1948 والقضية الفلسطينية حاضرة في الوجدان العربي، وهذا دفعها لأن تحجز مكانا كبيرا على خريطة السينما المصرية، لنستعرض في هذه التدوينة عدد من الأفلام التي دعمت "القضية" بشكل أو بأخر، ولنرى كيف كانت الرؤية وقتها وماذا كان رد فعل الجماهير تجاه هذه الاعمال الفنية..

أفلام دعم القضية الفلسطينية

البداية.. وتوابع نكبة عام 48

عادت القوات العربية لبلادها بعد مواجهة غير متكافئة مع العصابات اليهودية المدعومة بجيوش الحلفاء، فحركت مرارة الهزيمة الوجدان العربي للتعبير عن غضبه، ومنهم من سأل كيف يُبرر الهزيمة للجمهور! في الوقت الذي انتشرت فيه سينما اغنياء الحرب، الاشبه بسينما المقاولات خلال فترة الثمانينات والتسعينات، والتي انشغلت بالموضوعات التجارية البعيدة عن الحرب ومرارة الهزيمة. وهذا ما دفع بعض صناع السينما لإنتاج أفلام تؤكد ان تلك الهزيمة لم تكن عن تقصير ولكنها الخيانة والتكاتف من الدول الاستعمارية.

قدمت الفنانة عزيزة أمير احدى رائدات الإنتاج في السينما المصرية فيلم (فتاة من فلسطين) أول الأفلام عن حرب فلسطين، أخرجه وقام ببطولته الفنان محمود ذو الفقار، زوجها في ذلك الوقت، وقامت بدور البطولة امامه الفنانة السورية سعاد محمد، وتدور الاحداث حول سلمى الفتاة الفلسطينية التي قتلت العصابات اليهودية أبيها، فنصحها وهو على فراش الموت أن تذهب لخالها المصري في القاهرة لتكون في أمان، وهي ولا شك إشارة لعمق العلاقات بين الشعبين، المصري والفلسطيني، في ذلك الوقت. وفي مصر تتعرف سلمى على ابن خالها الضابط في صفوف القوات الجوية المصرية، والذي شارك بالطبع في حرب عام 1948 وقد سببت له المعارك عرجا في قدمه فتقاعد من الخدمة. اعجبت سلمى بشخصية ابن خالها وبطولاته في الحرب، وتولدت بينهما قصة الحب التي بالطبع تخدم الأحداث الدرامية للفيلم. كتب القصة السيناريست يوسف جوهر والاغاني للشاعر الكبير بيرم التونسي والالحان للقصبجي والسنباطي، فكانت أغاني سعاد محمد في هذا الفيلم متميزة.

فيلم فتاة من فلسطين

ولكن مع الأسف لم يكن لهذا الفيلم نصيب من الشباك والايرادات، أيضا قوبل بعاصفة نقدية لاذعة واتهامات بتسطيح القضية والتبسيط المُخل بالاحداث! وهذا ما دفع صناع الفيلم لتقديم عملا أخر لتصحيح بعض الأخطاء، فيلم (نادية) عام 1949 والذي كان من أولى التجارب الاخراجية لفطين عبد الوهاب، وحجزت الفنانة عزيزة أمير لنفسها دور البطولة، أمام زوجها محمود ذو الفقار، وشاركهم البطولة عدد كبير للارتقاء بالفيلم، شادية وسليمان بك نجيب وشكوكو ومحسن سرحان، ولكن المردود لم يكن أفضل من سابقه، إضافة الى ايعاز من القلم السياسي لصناع الفيلم بإيقاف تلك النوعية من الأفلام لتناسي مرارة الهزيمة مع الأيام.

يوليو 1952.. القضية وأشياء اخرى

فيلم ارض الابطال

وبعد ثورة يوليو 1952 عادت من جديد قضية فلسطين لشاشة السينما، ولكن من خلال منظور الإدانة للعهد الملكي! فالقائمين على شئون الحكم في مصر وقتها، تيار الضباط الاحرار، كانوا من الذين حاربوا في صفوف الجيش عام 1948 في موقع الفالوجة، وقد صار كل منهم يروي بأسلوبه الخاص عن أسلحة فاسدة تسببت في مقتل بعض زملائهم وكانت السبب الأساسي في هزيمة الجيوش العربية وقتها، ورغم ان هذا الموضوع قد اثير قضائيا، بعد سلسلة من المقالات للصحفي احسان عبد القدوس على صفحات مجلته روز اليوسف عام 1950، وتولت النيابة العامة التحقيق في الموضوع، ولم يثبت شيئا من هذا وبالتالي أُقفل الموضوع تماما، ألا إن تلك القضية قد عادت من جديد بغرض ادانة العهد الملكي والطعن في ذمة الملك السابق، الذي كان يعيش بمنفاه في إيطاليا في سلام. قرر اعلام الثورة التركيز على تلك القضية، لتتحول الى يقين في وجدان الناس بغض النظر عن موقفها من الصواب! قدم المخرج نيازي مصطفى فيلمه (ارض الابطال) عام 1953 بطولة زوجته النجمة كوكا، ومعها جمال فارس وعباس فارس ولولا صدقي وعزيزة حلمي، والذي يحكي عن شاب مستهتر من اسرة ثرية يقضي وقته في مطاردة النساء، يتعرض لصدمة عاطفية فتتغير حياته ويقرر ان يتطوع في الجيش للحرب في فلسطين، وهناك يقابل فتاة من غزة تعمل في صفوف المقاومة، ويعجب بشخصيتها ويجد فيها الكثير ما لم يجده عند الأخرين. ولكنه يصاب بسبب الأسلحة الفاسدة التي وردها والده للجيش، وطبعا الاسقاط هنا مفهوم.

فيلم الله معنا 1955

عادت قضية الأسلحة الفاسدة للظهور مرة أخرى من خلال فيلم (الله معنا) للمخرج احمد بدرخان، انتاج عام 1955، بطولة فاتن حمامة وعماد حمدي ومحمود المليجي وشكري سرحان وحسين رياض، تدور احداثه حول الضابط عماد الذي يشارك في حرب فلسطين، ويصاب فيها ويفقد ذراعه بسبب الأسلحة الفاسدة. ألقى الفيلم الضوء على الفساد الذي كان ايضا أحد أسباب الهزيمة، التي صارت المحرك والدافع الأساسي للضباط الاحرار للثورة على النظام والأوضاع الخطأ. كتب الفيلم احسان عبد القدوس نفسه وكانت فرصته لتجسيد أفكاره وآرائه الشخصية عن الأسلحة والثورة، الأمر الذي طغى على صوت "القضية" وجعلها بشكل ما في خلفية الاحداث.

فيلم ارض السلام 1957

وبعد ان اكتملت ملامح النظام الجديد الحاكم في مصر، تولى الرئيس عبد الناصر الرئاسة، واختار القومية العربية كأحد مبادئ الثورة وأحد مسببات القوة الناعمة لمصر في كثير من الدول العربية، وبالطبع كان دعم القضية الفلسطينية أحد أهم مقومات القومية والعروبة، وانتحت قضية "الأسلحة الفاسدة جانبا وعادت فلسطين مرة أخرى للصدارة. قدم المخرج كمال الشيخ فيلمه (أرض السلام) والذي ظهرت فيه اللهجة الفلسطينية لأول مرة على شاشة السينما المصرية. قام بالبطولة عمر الشريف وفاتن حمامه وعبد الوارث عسر وتوفيق الدقن وفاخر فاخر وحسن حامد واحسان شريف وعدد كبير من النجوم، وتدور الاحداث حول الشباب المصري الفدائي الذي يتطوع في صفوف المقاومة الفلسطينية جنبا الى جنب مع الغزاوية، لتنفيذ اعمال استنزاف ضد القوات الصهيونية. ولكن لم يتمكن بعض الفنانين من اللهجة جيدا كفاتن حمامه، في حين اجادها بعضهم كأهلها، مثل توفيق الدقن والذي كان في أوائل مشواره الفني.

دعم القضية يتجه للمعارضة

فيلم ناجي العلي 1992

خلال فترة السبعينات والثمانينات مرت البلاد بأحداث جسام، اثرت على موقفها الرسمي من قضية فلسطين بشكل عام، كهزيمة 1967 وانتصارات عام 1973 ومبادرة السلام 1977 والمعاهدة نفسها 1979 والتي دفعت النظام لقبول العداء من كافة الأنظمة العربية وقتها مقابل جلاء اليهود ارضه المحتلة أواسط عام 1982 فاختفت من السينما أفلام دعم القضية الفلسطينية وتم التركيز على نصر أكتوبر مع التأكيد على انه أيضا انتصار للقضية بشكل او بأخر، فذهب دعم القضية لعديد من المثقفين اليساريين والذين كانوا وقتها معارضين لنظام الرئيس السادات وبالذات لمبادرته بالسلام مع اليهود. قدم المخرج عاطف الطيب عام 1992 فيلمه الفريد من نوعه (ناجي العلي) والذي قام ببطولته نور الشريف مع عديد من الفنانين العرب. يروي الفيلم قصة رسام الكاريكاتير الفلسطيني المشاغب ناجي العلي، والذي كانت رسوماته اللاذعة أكبر داعم للقضية في الصحافة والاعلام. يبدأ الفيلم بأحداث اغتياله في لندن عام 1987 ويعود بالزمن (فلاش باك) ليروي قصته ونضاله على صفحات جرائد الكويت ولبنان ولندن، وأيضا عدائه لكل الأنظمة العربية التي كان يصفها صراحة في رسوماته بألفاظ بذيئة. تجاهل الفيلم بشكل او بأخر الحديث عن نصر أكتوبر، كما ركز على نبرة العداء تجاه كل الزعماء العرب، كما لمح لتورط بعض قيادات منظمة التحرير الفلسطينية في اغتيال ناجي العلي، ومن ثَم كان مصير هذا الفيلم التجاهل من الجميع! هاجمه في مصر الصحفي إبراهيم سعده في عدة مقالات، واتهم صناعه بالحصول على أموال من منظمة التحرير الفلسطينية، والتي أيضا هاجمت الفيلم وصناعه، وأمر الرئيس الراحل ياسر عرفات بمنع عرض الفيلم، وبالتالي ظل حبيس العلب لأكثر من 20 عاما، ولا يزال قليل العرض على شاشات الفضائيات، حتى منها ما لا يتبع الأنظمة العربية بشكل مباشر.

دعم القضية في سينما الشباب

فيلم همام في امستردام 1999

وفي نهاية التسعينات لمع في مصر نجم سينما الشباب، ورغم انها اعتمدت على الموضوعات الخفيفة و(الإفيه)، ولكن قضية فلسطين كانت حاضرة فيها بشكل ما. ففي فيلم (صعيدي في الجامعة الامريكية) للمخرج سعيد حامد، نفذ طلاب الجامعة الامريكية وقفة احتجاجية تزامنا مع الذكرى 50 لاحتلال فلسطين، فكان المونولوج الطويل والشهير من فتحي عبد الوهاب يندد فيه امام زملائه بالدعم الأمريكي لإسرائيل، كما قام بحرق العلم الإسرائيلي على الشاشة ورقص الجميع في مشهد فنتازي. وفي فيلم (همام في أمستردام) في العام التالي نرى العداء بين همام ويودا عامل الفندق اليهودي المتدين. ولعل تناول دعم "القضية" بحذر ضمن احداث الفيلم الأساسية نوع من الذكاء من صناع الفيلم، لعدم التأثير على المنافسة في شباك التذاكر، ولكنهم اختاروا عام 2001 ان يقدموا فيلما لدعم القضية بشكل مباشر، فكان فيلم (أصحاب ولا بيزنس) لكثير من النجوم الشباب، والذي ينتقد ابتعاد الاعلام المصري عن دعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الشهيد محمد الدرة) عام 2000 حينما قررت احدى القنوات الفضائية ارسال اعلاميين لفلسطين لتصوير برنامج مسابقات ترفيهية، فيتعرفون على احد الشباب الفلسطيني الذي يقدم لهم المساعدات، ويطلب منهم تصويره اثناء قيامه بعملية استشهادية ضد احد الاكمنة لقوات الاحتلال. وقرر مقدم البرنامج ان يعرض المشهد على الهواء رغم معارضة رؤسائه ومهما كانت النتائج! وكان المشهد صادما، يُقدم لأول مرة على شاشات السينما العربية، ولكنه قوبل بعاصفة من النجاح والاشادة بمجهود صناع الفيلم. كان الحضور القوى لعمرو واكد سببه اجادته للهجة الفلسطينية، برز أيضا ذكاء صناع العمل في دعم القضية والانتفاضة بتغليفها بعديد من العناصر لتدفع بالفيلم للأمام في شباك التذاكر، وتضمن له منافسة جيدة.

الموقف الرسمي من دعم القضية

فيلم السفارة في العمارة 2005

وفي عام 2004 وقعت وزارة التجارة المصرية اتفاقية الكويز مع الولايات المتحدة والجانب الإسرائيلي، والتي عارضها كثير من المثقفين بالداخل بدعوى انها نوع من التطبيع مع الكيان الصهيوني المرفوض شعبيا بغض النظر عن الموقف الرسمي للدولة. في العام التالي قدم الفنان عادل امام فيلمه (السفارة في العمارة) والذي تقوم فكرته على ابراز التباين بين الموقف الشعبي والموقف الرسمي من الوجود الإسرائيلي في مصر، يعود المهندس شريف خيري من الخليج بعد سنوات طوال قضاها هناك ليجد السفارة الإسرائيلية في الشقة المجاورة له. فماذا يفعل؟ على هامش الاحداث تقوم صداقة بين شريف وإياد ابن أحد أصدقائه الفلسطينيين، وكان صبيا واعدا يتطلع للمشاركة في قضية بلاده رغم ابتعاده عنها، وكان مشهد وفاته في نهاية الاحداث دافعا لتغيير الاحداث، وهتاف الجميع بشكل صريح بسقوط دولة الاحتلال، ووصفهم بأنهم "قتلة الأطفال"!

فيلم ولاد العم 2009

وفي عام 2009 قدم المخرج شريف عرفه فيلمه (ولاد العم) أحد اهم الأفلام عن الصراع العربي الإسرائيلي، لكريم عبد العزيز ومنى زكي وشريف منير، يحكي عن المواجهة بين ضابطي المخابرات المصري مصطفى والإسرائيلي دانيال، الذي يهرب بزوجته المصرية وأولاده لتل ابيب ويذهب مصطفى في مهمة لإعادة الزوجة لأرض الوطن. عكست المشاهد بدون أي تورية او اسقاط حالة العداء بين الاثنين، كما نقلت المشاهد نبرة الاختلاف بين الشعوب العربية تجاه "القضية"، كما عرضت الكاميرا بعض مشاهد تهجير الفلسطينيين لبناء الجدار العازل بين مناطق الفلسطينيين والمستوطنات الإسرائيلية. كانت المشاهد صعبة وقوية، وسوداء لحد كبير ولكن أيضا جاءت بعض المشاهد تحمل بعض كلمات الأمل، مثلا تنبأ الضابط مصطفى بأن ذلك الجدار سيكون سجنا لهم وليس لنا، وهذا ما حدث بالفعل وصرحت به بعض الأسر الإسرائيلية عقب هجمات 7 أكتوبر الماضي، ومشهد الختام أيضا والذي تنبأ بالعودة، ولكن.. "مش دلوقت"!

أحدث أقدم